الهيثمي

12

موارد الظمآن

وقال : ( وما آتاكم الرسول فخذوه ، وما نهاكم عنه فانتهوا ) [ الحشر : 7 ] . ومن هنا اشتدت عناية صحابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما صدر عنه من أقوال وأفعال فحفظوها في صدورهم ، وقيد بعضها عدد غير قليل منهم في الصحف وبلغوها لمن جاء بعدهم من التابعين ، بدقة بالغة ، وعناية لا نظير لها . ثم جاء عصر التابعين ، فحذوا حذو الصحابة في حفظ الحديث وكتابته ، فكان العالم منهم يتردد على صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين كانوا في بلده ، فيحفظ مروياتهم ، ويعقل فتاويهم ، ويعي تأويلهم للآي الكريم . واستقر الأمر على ذلك إلى رأس المئة الأولى من الهجرة في ولاية الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ، فرأى جمع الحديث والسنن ، وتدوينها تدوينا عاما خشية أن يضيع منها شيء بموت حافظيها ، فقد روى مالك في ( الموطأ ) برواية محمد بن الحسن أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم - وكان إذ ذاك على إمرة المدينة المنورة موئل العلماء والحفاظ - أن انظر ما كان من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو سنته ، أو حديث عمر ، أو نحو هذا ، فاكتبه ، فإني خفت دروس العلم ، وذهاب العلماء ، وأوصاه أن يكتب ما عند عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر ، وهما على رأس من جمع حديث أم المؤمنين عائشة ، وما عندها من العلم . وكتب أيضا إلى العالم الجليل ، المحدث الحافظ محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري ت ( 124 ) ه ، أن يدون الحديث والعلم ، فكان كما قال أبو الزناد : ( يطوف على العلماء ، ومعه الألواح